السيد محمد تقي المدرسي

38

من هدى القرآن

الشريعة وباطنه الولاية ، حيث إن خضوع الإنسان لبشر مثله باعتباره وليًّا عليه من عند الله أمر صعب مستصعب ، وهكذا رفض الكفار ذلك . « فَكَفَرُوا وَتَوَلَّوْا » كفروا بالرسول والرسالة ولم يشكروا هاتين النعمتين ، وحيث لا يمكن للإنسان أن يعيش في الفراغ فإنهم حولوا وجهتهم إلى القيم الفاسدة والقيادات المنحرفة ( الضلال ) ، ولعل التولي هنا بهذا المفهوم ، أي تولوا إلى غير الله بمعنى ولاية غير الله ، كما جاء في بعض تفاسير الآية الكريمة : « فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ » [ محمد : 22 ] ، وقد يكون الكفر هو الموقف النفسي والمبدئي ، في حين أن التولي هو الموقف العملي السياسي . « وَاسْتَغْنَى اللَّهُ » أي أنه تعالى كان يريد أن يظهر دينه ورسوله بهم فلما كفروا استغنى وأظهر غناه عنهم فنصر دينه بغيرهم من الناس والملائكة ، كما قال سبحانه : « يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ » [ المائدة : 54 ] . وهكذا يكون معنى الاستغناء فعل ما يُظهر الغنى ، وذلك على ضوء معرفتنا بربنا وأنه لا يصدق عليه ما يصدق علينا من التحول والتبدل سبحانه ، فلم يكن لربنا حاجة فيهم ولكن أراد أن يتفضل عليهم بنصر دينه عبرهم فرفضوا ، حيث إن من نعم الله على عباده أن يجعلهم وسائل لنشر دينه ونصر رسله فيطلب منهم الدعوة أو الجهاد أو القرض والإنفاق وما أشبه . . لا لحاجة منه إليهم إنما ليتلطف بهم وينعم عليهم بفضله ! . « وَاللَّهُ غَنِيٌّ » بذاته ، واستغناء الله عن أحد يعني قطع حبل رحمته عنه ، وهذا سبب هلاك الأقوام التي كفرت من قبل ، لأنه إنما يستقرضهم ويستنفقهم ويدعوهم للإيمان لكي يرحمهم ، ولعل تأكيد الله على غناه واستغنائه يأتي لعلاج عقبة نفسية طالما منعت ولا زالت تمنع الكثير من الإيمان بالرسالة والتسليم للرسول ، وهي عقبة الإحساس بالغنى عن الحق من جهة ، وحاجة الله ورسوله إليهم كما قال بعضهم : « إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ » [ آل عمران : 181 ] . من جهة أخرى « حَمِيدٌ » ، وقد أضاف تعالى هذه الصفة للغنى لأنه ليس كل غني حميد ، فقد يطغيه الغنى ، أو تبطره النعم . [ 7 ] ثم يبين السياق موقف الكفار الأساسي الذي انشطر عنه الاستكبار والكفر والتولي ، وهو عدم إيمانهم بالآخرة ، وطبيعي أن من يكفر بالجزاء لا يبالي بتحمل المسؤولية « زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا » للجزاء بعد الموت ، والزعم هو مجرد الادعاء الذي لا يقين للإنسان به ، وحيث إن الكفار لم يجدوا دليلا ينفي الآخرة باعتبارها حقيقة واقعية فطرية فإنهم لجؤوا إلى تأكيد زعمهم بكلمة « لَنْ » تبريرا لكفرهم بالحقائق ، ولكن القرآن يكذب زعمهم بالتأكيد على